مسؤولية الإنسان عن صحته

     

 

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على حضرة سيدنا رسول الله النور وآله

مقدمة:

يقول الله تعالي في كتابه الحكيم "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ".

وتكليف الله تعالى للإنسان بالعبودية ليس قاصراً على قيام وقعود وسجود أو جوع وعطش - بل التكليف على "النفس" الإنسانية مصداقا لقوله تعالى ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (البقرة 286) وكذلك قوله تعالى ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ (الطلاق 7) والجسد ليس إلا المظهر المادي لهذه النفس

والنفس هي مجموع الصفات المعنوية المودعة كل انسان في هذا الوجود من كونه حيا، عالما، مريدا، قادرا، سميعا، بصيرا، متكلما. وهي صفات في أصل خلقتها فطرة طاهرة نقية مصداقا للحديث الشريف لحضرة سيدنا رسول الله "ما من مولود الا ويولد على الفطرة فأبواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه"-ورد في الصحيحين.

فطرة طاهرة نقية لا تشوبها شائبة من شوائب الشرك أو المعصية وذلك بحكم مصدريتها صفات مستمدة من أسماء الله تعالي وصفاته منسوبة لله تعالى على حكم قوله تعالى ﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾

وهي متساوية في البشر جميعا كما يقول الحديث الشريف "الناس سواسية، كأسنان المشط"- ذكره ابن عدي وابن الجوزي، لا فرق فيها بين مخلوق وآخر من حيث أصلها وبداءة خلقها.

والمولى عزوجل أودع هذه الصفات في الجسد المادي للإنسان. ويعتبر هذا الجسد في حكم الأرض اللي نزلت واستقرت فيه هذه الصفات بالأمر الإلهي – حتى إذا حان الأجل وقضى الله أمره بأن يسترد ما أودعه في هذا الجسد من خصائص الصفات والأسماء الإلهية – وهي "النفس" الإنسانية، نزعها الله من أرض وجودها الدنيوي، فتخرج منه مفارقة لها عنوة عنها ورغما منها بالأمر الإلهي فهي مساقة إما إلى جنة تأوي إليها وإما إلى نار تحصر فيها -ربنا يتولانا برحمته، على حكم قوله تعالى ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ (المدثر 38)

وهي الحقيقة التي يجب أن يعيها كل إنسان مؤمن أن المولي عزوجل استخلفه في جسده- فهذا الجسد ليس ملكا خالصا للإنسان كما يعتقد الكثيرون. بل هو أمانة وهبه المولي عزوجل الانسان كي يستطيع أن يسلك في سبل معايشه ويؤدي فرائضه ويعمل بما يرضي الله تعالي لإعمار الأرض. ولذلك عرفنا من حضرة سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه من أول مما يسأل عنه العبد بعد مماته هو كيف تصرف الإنسان في هذا الجسد وهل حافظ عليه وجنبه المهالك والأسقام، عملا بالحديث الشريف "لا تزول قدما عبد حتى يسال عن عمره فيم افناه ... وعن عمله فيم فعل ..وعن ماله من اين اكتسبه وفيم انفقه .. وعن جسمه فيم ابلاه." اورده الترمذي.

ولعل هذه المقدمة تضع نصب عين كل إنسان مؤمن مسؤوليته الشخصية عن جسده والحفاظ على صحة هذا الجسد كأمانة استخلفه فيها المولي عزوجل، كما بين الحديث الشريف "إن لبدنك عليك حقاً"-ورد بألفاظ متقاربة في البخاري.

وكان لزاما أن نذكر أنفسنا بهذه الحقائق الهامة في وقت تعصف فيه الفتن بأبناء الأمة عصفا، والتي لم تقتصر فقط على الفتن في الدين والعقيدة، ولكنها امتدت إيضاً لنوع خطير من الفتن يعبث بصحة الإنسان بلا سند أو دليل علمي موثق، متخذة -في بعض الأحيان- صبغة دينية باطلة وإلصاقها بنصوص مدسوسة أو يتم تفسيرها على هوي قائلها حتى تخدم أغراضه الخبيثة. ونتيجة لذلك استشري بشكل سريع في مجتمعاتنا خلال الآونة الأخيرة دعاوي مرفوضة تنادي بوقف تناول بعض الأدوية واستبدالها بأنظمة غذائية قد تكون نافعة أو ضارة أو غير نافعة- لا تغني بأية حال عن الدواء- ولم يُستدل على أمانها وفاعليتها بالطرق العلمية والطبية المعروفة. والأنكي من ذلك أن من يتزعموا هذا التيار لا يتناولونه فقط من منظور طبي، بل يحرموا من الطعام والشراب مما حلل الله – زاعمين أنه ليس من الطيب من الغذاء.

فلا يمكن لإنسان يعمل عقله أن يستسيغ كلاما -أيا من كان قائله- يهدف إلى وقف الدواء بالكامل وتغيير نمط الغذاء بشكل مفاجئ وبناء على نظريات مرسلة دون سند علمي حقيقي. أين ذلك من حديث حضرة سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم "إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تتداووا بحرام"- أورده البيهقي. أليس هذا أمرا مباشرا بالالتزام بالدواء المقرر من الطبيب أو عدة أطباء ثقات في حالة المرض، طالما لا يوجد نص بتحريمه؟؟! أين ذلك من حديث حضرة سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم "عودوا الأجسام ما اعتادت" - ورد بألفاظ متقاربة في المقاصد الحسنة للسخاوي، والذي يحمل بين طياته قاعدة علمية مهمة نلتزم بها -نحن الأطباء- بعدم عمل تغيير مفاجئ في نمط الحياة أو شكل التغذية الصحيح بالمريض التي اعتادها لزمن طويل، لأن ذلك يؤدي إلي حدوث أعراض جانبية أو مضاعفات؟ كيف يمكن لمريض أن يدعي أنه "يشعر" بالتحسن طبيا و يتعامي عن اللجوء للقياسات المعملية والسريرية المتاحة والمتيسرة التي هي فقط المعيار الحقيقي لتحسن أو تدهور حالة المريض والتي يجب تقييمها فقط من خلال الطبيب المختص وليست أمرا شخصيا يخضع للإحساس من جانب المريض؟؟

وعندما نتدبر قوله تعالي "وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا"، نستطيع أن نفهم بوضوح أن جسد الإنسان في طبيعته نبتة، وأي نبتة تتأثر تأثرا عظيما بما تأكل وتشرب. لذا، فإن تغيير في طبيعة الغذاء في حالة المرض لا بد أن يكون من خلال طبيب مختص، يستطيع أن يقيم الاحتياجات الغذائية الخاصة لكل مريض وبحسابات علمية دقيقة والتي تختلف من إنسان لإنسان تبعا لسنه والأمراض التي يعاني منها والأدوية التي يتناولها. ولا يوجد نظام غذائي موحد يستطيع أن يلبي الاحتياجات الجسدية الخاصة بكل المرضي علي سواء، نظرا لتباين أجساد البشر واختلافها عن بعضها البعض. ولذلك يوجد فرع من فروع الطب يختص بضبط الأنظمة الغذائية ومتابعتها لكل مريض وهو علم "التغذية". وهو ما يعني أيضا أن العبث بغذاء المرضي في إطار نظام ثابت وموحد هو خطأ يتنافى مع المنطق العلمي والحقائق الطبية المثبتة.

وامام هذه الأدلة الدامغة التي تدحض -بما لا يدع مجالا للشك- فتنة استبدال الأدوية بأنظمة غذائية مبتدعة تتعارض مع أبسط القرائن المنطقية والحقائق الطبية المثبتة، يتجلى أهمية إدراك الإنسان عن مسؤوليته الشخصية تجاه صحته والحفاظ على جسده بعدم الانجراف وراء الضلالات والأكاذيب الطبية الزائفة.

ولعل من أهم الأسباب التي ساعدت في انتشار فتنة العبث بدواء المريض واستبداله بأنظمة غذائية غير موثوقة هو كثرة المروجين لهذه الأنظمة، ممن افتتنوا بفكرة "أن كل الأدوية هي في حقيقتها خدعة" وأن الأمراض منشأها غذائي بحت، ومن ثم فلا سبيل لعلاجها إلا من الغذاء. ومع الصبغة الدينية الباطلة، فإلصاق هذه المزاعم بنصوص آيات قرآنية أو أحاديث شريفة بتحريفها عن مواضعها لخدمة أغراض الترويج لهذه الأنظمة، زاد تغلغل هذه الظاهرة المرفوضة في مجتمعنا في وقت قصير. وهذا يضع أمام أعيننا حديث حضرة سيدنا رسول الله " لايكن أحدكم إمعة يقول إذا أحسن الناس أحسنت وإذا أساءوا أسأت ولكن وطنوا أنفسكم إذا أحسن الناس أن تحسنوا وإن اسأوا أن تتجنبوا إساءتهم"- ورد بألفاظ متقاربة في الترمذي، فحضرة سيدنا رسول الله يربي في شخصية الإنسان المسلم أن يكون شخصية قوية، لها استقلالية في أرائها، لا يأبه بالباطل ولا يلقي له بالا حتى لو اتبعه كل من حوله، ويلزم نفسه اتباع سبيل الهدي والنجاة، حتى لو حاد عنها كل الخلق من حوله. ولو كنا تجنبنا نهي حضرة سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم بعدم الانسياق الأعمى وراء الدعاوي الباطلة، وألا نتبع كل ناعق لمجرد أن جمع غفير من الناس يتبعونه ويتحدثوا عن نتائجه العظيمة، لكان ذلك خير لنا ولجنبنا أنفسنا شر الوقوع في مثل تلك الفتن.

وختاما، نذكر قول الله تعالي "أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ"، والتي منها ندرك أن الإنسان المؤمن معرض في حياته للتعرض للفتن بكافة صورها، ولكن بارتباطه بالأسباب والتزامه بكتاب الله وسنة رسوله الكريم وإعمال عقله في مواجهة هذه الفتن والتماسه نظر الله تعالي ورسوله باتباع سبيل الهداية وتجنب سبل الضلال والارتباط الكامل بالأسباب وعدم التهاون في الأخذ بها هي السبيل الذي ينجو به الإنسان من شر تلك الفتن. فعلي المؤمن أن يحذر نشر أو ترويج أيا من الدعاوي الباطلة التي يتعرض لها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والتي تزيد انتشار المعلومات المضللة وآثارها الجسيمة التي قد تنال شرائح كبيرة في المجتمع. وهنا يحضرنا حديث حضرة سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم "من استن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن استن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة " ورد في احمد ومسلم. وليس ما سقناه في هذه الندوة إلا نذر يسير مما لا يجوز علي الإنسان المسلم تجاهله أمام مسؤوليته عن صحة جسده، وسيكون إن شاء الله لنا حديث قادم عن المسائل الأخرى المتعلقة بمسؤولية الإنسان عن جسده فيما يتعلق بنقل وزراعة الأعضاء البشرية والإدمان بأشكاله وغيرها من المواضيع ذات الصلة من الناحية الصحية.

 

بقلم ا.د.مصطفى كامل فؤاد

أستاذ التخدير والعناية المركزة وعلاج الألم بطب عين شمس و رئيس الجمعية المصرية للأخلاقيات الطبية